ابن كثير

524

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة ، عن المسيب بن رافع ، عن خرشة بن الحر ، قال قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء شيخ يتوكأ على عصا له ، فقال القوم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة ، فلينظر إلى هذا . فقام خلف سارية فصلى ركعتين ، فقلت له : قال بعض القوم : كذا وكذا ، فقال : الجنة للّه ، يدخلها من يشاء ، وإني رأيت على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رؤيا : كأن رجلا أتاني فقال : انطلق ، فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما ، فعرضت لي طريق عن يساري ، فأردت أن أسلكها ، فقال : إنك لست من أهلها ، ثم عرضت لي طريق عن يميني ، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق ، فأخذ بيدي فزجل « 1 » بي فإذا أنا على ذروته ، فلا أتقارّ ولا أتماسك ، فإذا عمود من حديد في ذروته حلقة من ذهب ، فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة ، فقال : استمسك ، فقلت : نعم ، فضرب العمود برجله ، فاستمسكت بالعروة ، فقصصتها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « رأيت خيرا ، أما المنهج العظيم فالمحشر ، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ، ولست من أهلها ، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة ، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء ، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام ، فاستمسك بها حتى تموت » قال : فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة ، قال : وإذا هو عبد اللّه بن سلام ، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان ، وابن ماجة عن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب ، كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه ، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش ، عن سليمان بن مسهر ، عن خرشة بن الحر الفزاري به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 257 ] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 257 ) يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام ، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير ، وأن الكافرين إنما وليهم الشياطين ، تزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات ، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ولهذا وحد تعالى لفظ النور ، وجمع الظلمات ، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة ولكنها باطلة ، كما قال وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الأنعام : 153 ] وقال تعالى وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] وقال تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [ النحل : 48 ] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن ميسرة ، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان ، عن موسى بن عبيدة ، عن أيوب بن خالد ، قال : يبعث أهل الأهواء ،

--> ( 1 ) زجل به : دفعه .